سيد محمد طنطاوي
462
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال الآلوسي : اللَّه الذي خلق سبع سماوات مبتدأ وخبر * ( ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ) * أي : وخلق من الأرض مثلهن ، على أن * ( مِثْلَهُنَّ ) * مفعول لفعل محذوف ، والجملة معطوفة على الجملة قبلها . والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف ، فقال الجمهور : هي هنا في كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض ، وفي كل أرض سكان من خلق اللَّه ، لا يعلم حقيقتهم أحد إلا اللَّه - تعالى - . وقيل : المثلية في الخلق لا في العدد ولا في غيره ، فهي أرض واحدة مخلوقة كالسماوات السبع . ورد هذا القيل بأنه قد صح من رواية البخاري وغيره ، قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن . . . » « 1 » . والذي نراه أن كون المثلية في العد ، هو المعول عليه ، لورود الأحاديث الصحيحة التي صرحت بأن الأرضين سبع ، فعلينا أن نؤمن بذلك ، وأن نرد كيفية تكوينها ، وهيئاتها ، وأبعادها ، ومساحاتها ، وخصائصها . . إلى علم اللَّه - تعالى - . وقوله : * ( يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ) * أي : يجرى أمر اللَّه - تعالى - وقضاؤه وقدره بينهن ، وينفذ حكمه فيهن ، فالمراد بالأمر : قضاؤه وقدره ووحيه . واللام في قوله - تعالى - : * ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وأَنَّ اللَّه قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) * متعلقة بقوله * ( خَلَقَ ) * . . . أي : خلق - سبحانه - سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ، وأخبركم بذلك ، لتعلموا علما تاما أن اللَّه - تعالى - على كل شيء قدير ، وأن علمه - تعالى - قد أحاط بكل شيء سواء أكان هذا الشيء جليلا أم حقيرا ، صغيرا أم كبيرا . . . وبعد : فهذا تفسير لسورة « الطلاق » نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . . الإسكندرية - العجمي : 24 من شوال سنة 1406 ه 30 من يونيو سنة 1986 م كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوي
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 143 .